الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

419

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الوجود المطلق لذات الله ، وقطرة في محيط لا نهاية له . لحظات هذه الصلاة درسا للمؤمن في بناء ذاته وتربيتها ، ووسيلة لتهذيب نفسه وسمو روحه . وقد جاء في حديث عن الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حين شاهد رجلا يلهو بلحيته وهو يصلي قوله : " أما لو خشع قلبه لخشعت جوارحه " ( 1 ) . إشارة منه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى أن الخشوع الباطني يؤثر في ظاهر الإنسان . وكان كبار قادة المسلمين يؤدون صلاتهم بخشوع حتى تحسبهم في عالم آخر ، يذوبون في الله ، حيث نقرأ عنهم في حديث عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " إنه كان يرفع بصره إلى السماء في صلاته ، فلما نزلت الآية طأطأ رأسه ورمى ببصره إلى الأرض " ( 2 ) . وثاني صفة للمؤمنين بعد الخشوع مما تذكره الآية والذين هم عن اللغو معرضون حقا نرى جميع حركات وسكنات المؤمنين تتجه لهدف واحد مفيد وبناء ، لأن " اللغو " يعني الأعمال التافهة غير المفيدة ، وكما قال بعض المفسرين فإن اللغو كل قول أو عمل لا فائدة فيه ، وإذا فسر البعض اللغو بالباطل . وبعض فسره بالمعاصي كلها . وآخر بمعنى الكذب . وآخر : السباب أو السباب المتقابل . والبعض الآخر قال : إنه يعني الغناء واللهو واللعب . وآخر : إنه الشرك . فإن هذه المعاني مصاديق ذلك المفهوم العام . وطبيعي أن اللغو لا يشمل الأفعال والكلام التافه فقط ، وإنما يعني الآراء التافهة التي لا أساس لها ، التي تنسي العبد ربه وتشغله بها دون الأمور المفيدة ، إذن فاللغو يتضمن كل هذا ، والحقيقة أن المؤمنين لم يخلقوا من أجل الانشغال بآراء

--> 1 - تفسير الصافي ، وتفسير مجمع البيان ، في تفسير الآية موضع البحث . 2 - تفسير مجمع البيان ، وتفسير الفخر الرازي ، للآية موضع البحث .